فخر الدين الرازي

381

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لعلي لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر ، وبتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر ، ومن جملة تلك الصفات كونه كرارا غير فرار ، فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له ، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب ، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه ، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت ، فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل ، ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن ، وما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد ، ولأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر محبا للَّه ولرسوله . وكون اللَّه محبا له وراضيا عنه . قال تعالى في حق أبي بكر وَلَسَوْفَ يَرْضى [ الليل : 21 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « إن اللَّه يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة » و قال : « ما صب اللَّه شيئا في صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر » وكل ذلك يدل على أنه كان يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله . وأما الوجه الثاني : وهو قولهم : الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي ، فجوابنا : أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة علي وسنذكر الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى ، فهذا ما في هذا الموضع من البحث واللَّه أعلم . أما قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ البقرة : 165 ] فلا فائدة في الإعادة . وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له ، وهذا حق لأنه لولا أن اللَّه أحبهم وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له . ثم قال تعالى : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ وهو كقوله أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ / بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] قال صاحب « الكشاف » أذلة جمع ذليل ، وأما ذلول فجمعه ذلل ، وليس المراد بكونهم أذلة هو أنهم مهانون ، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب ، فإن من كان ذليلا عند إنسان فإنه البتة لا يظهر شيئا من التكبر والترفع ، بل لا يظهر إلا الرفق واللين فكذا هاهنا ، فقوله أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ أي يظهرون الغلظة والترفع على الكافرين . وقيل : يعازونهم أي يغالبونهم من قولهم : عزه يعزه إذا غلبه ، كأنهم مشددون عليهم بالقهر والغلبة . فإن قيل : هلا قيل : أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين . قلنا : فيه وجهان : أحدهما : أن يضمن الذل معنى الرحمة والشفقة ، كأنه قيل : راحمين عليهم مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع ، والثاني : أنه تعالى ذكر كلمة عَلَى حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم ، فيفيد أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم ، بل ذاك التذلل إنما كان لأجل أنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع . وقرئ ( أذلة وأعزة ) بالنصب على الحال . ثم قال تعالى : يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لنصرة دين اللَّه وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ وفيه وجهان : الأول : أن تكون هذه الواو للحال ، فإن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم ، فبيّن اللَّه تعالى في هذه الآية أن من كان قويا في الدين فإنه لا يخاف في نصرة دين اللَّه بيده ولسانه لومة لائم . الثاني : أن تكون هذه الواو للعطف ، والمعنى أن من شأنهم أن يجاهدوا في سبيل اللَّه لا لغرض آخر ، ومن شأنهم أنهم صلاب في